ابن حمدون
179
التذكرة الحمدونية
أبجراه ! فجاء أبجر بن بجير فعرفه ، فقال : ما شأنك ؟ قال : لا أضيعنّ الليلة بين اللهازم ، وعلام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة ؟ أيتلاعب بي الحطم ونزّاع القبائل وأنتم شهود ؟ فتخلَّصه وقال : واللَّه إنّي لأظنّك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة ! فقال : دعني من هذا ، وأطعمني ، فقد متّ جوعا . فقرّب إليه طعاما فأكل ثم قال : زوّدني [ واحملني وجوّزني أنطلق إلى طيّتي ] - ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب - ففعل وحمله على بعير وزوّده وجوّزه . وخرج عبد اللَّه حتى دخل عسكر المسلمين وأخبرهم أنّ القوم سكارى . فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عسكرهم ، فوضعوا فيهم السيوف حيث شاؤوا ، فتقحّموا الخندق هرّابا ، فمتردّ ، وناج ودهش ومقتول ومأسور ، واستولى المسلمون على ما في العسكر ، فلم يفلت رجل إلا بما عليه . فأمّا أبجر فأفلت ، وأما الحطم فإنّه بعل [ 1 ] ودهش ، فقام إلى فرسه - والمسلمون خلالهم - ليركب ، فلما وضع رجله في الرّكاب انقطع ، فمرّ به عفيف بن [ المنذر ] والحطم يستغيث ويقول : ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني ، فرفع صوته ، فعرفه عفيف فقال : أبو ضبيعة ؟ قال : نعم ، قال : أعطني رجلك أعقلك . فأعطاه رجله يعقلها ، فنفحها فأطنّها [ 2 ] من الفخذ وتركه ، فقال : أجهز عليّ ، فقال : إني لأحبّ ألا تموت حتى أمضّك - وكان مع عفيف عدّة من ولد أبيه ، فأصيبوا ليلتئذ - وجعل الحطم يطلب من يقتله ، يقول ذلك لمن لا يعرفه ، حتى مرّ به قيس بن عاصم فمال عليه فقتله ، فلما رأى فخذه نادرة قال : وا سوأتاه ! لو علمت الذي به لم أجهز عليه . وخرج المسلمون بعدما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم ، فاتبعوهم [ فلحق قيس بن عاصم أبجر - وكان ] فرس أبجر أقوى من فرس قيس ، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب ، فقطع العصب ، وسلم النّسا ، فقال عفيف